محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
20
الإنجاد في أبواب الجهاد
الأوثانِ ، والفواحش - التي حرّم الله تعالى - مدّة طويلةً ، لم يُؤمر في شيءٍ من تلك المدّة بقتال ؛ بل كان يؤمر بالإعراض عنهم ، وبالصَّفح الجميل ، والصَّبرِ على أذاهم ؛ إمهالاً من الله - تعالى - ، وإبلاغاً في الحجَّة ، وإعذاراً في المُدَّة . قال الله - تعالى - : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } [ الحجر : 94 ] ، وقال - تعالى - : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } [ البقرة : 109 ] ، وقال - سبحانه - : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَهُمْ } [ الأحقاف : 35 ] . ولم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُعلناً بالرسالة والنَّذارة ، صابراً على ما يناله في ذلك من الأَذى ، ناصِحاً لهم ، مُحتسباً ما أصابه فيهم ، إلى أن آمن بالله وبما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَنْ أراد الله - تعالى - به خيراً ، وجعل له نوراً ، وعاندَ من شاء الله - تعالى - ، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بمكة عشر سنين ، وقيل : ثلاث عشر سنة ، وفي ذلك يقول أبو قيس صِرمة بن أبي أنس بن صِرمة ؛ من بني النَّجار ( 1 ) :
--> ( 1 ) قال ابن هشام في « السيرة النبوية » ( ص 510 ) في نَسَبِه : أبو قيس ، صِرمة بن أبي أنس بن صِرمة بن مالك بن عَديِّ بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار . وقال ابن إسحاق : وكان رجلاً قد ترهَّب في الجاهلية ، ولبس المسوح ، وفارق الأوثان ، واغتسل من الجنابة ، وتطهّر من الحائض من النساء ، وهمَّ بالنصرانية ، ثم أمسك عنها ، ودخل بيتاً له ، فاتخذه مسجداً ، لا تدخل عليه طامث ولا جنب ، وقال : أعبد ربَّ إبراهيم ، حين فارق الأوثان وكرهها ، حتَّى قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فأسلم وحَسُنَ إسلامه ، وهو شيخٌ كبير ، وكان قوَّالاً بالحق ، معظماً لله - عز وجل - في جاهليته ، يقول أشعاراً في ذلك حِساناً . أخرج الحاكم في « المستدرك » ( 2 / 683 / رقم 4255 - ط دار الكتب العلمية ) - وعنه البيهقي في « دلائل النبوة » ( 2 / 513 ) - عن إبراهيم بن ديزيل ، عن إبراهيم بن المنذر ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ؛ قال : قلت لعروة بن الزبير : كم لبث النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : عشر سنين . قلت : فإن ابن عباس يقول : لبث بضع عشرة حجة . قال : إنما أخذه من قول الشاعر . قال سفيان بن عيينة : ثنا يحيى بن سعيد ؛ قال : سمعتُ عجوزاً من الأنصار تقول : رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات . . . » وساق سبعة أبيات ، أولها البيت المذكور . قلت : وهذا إسناد ضعيف من أجل المبهم الذي فيه . =